sábado, 3 de julio de 2010

الضفة الأخرى. خوان آنخيل براخي بيثوسو. فيرَول. إسبانيا



الضفة الأخرى

خوان آنخيل براخي بيثوسو
فيرَول. إسبانيا
المرتبة الثالثة في "جائزة معبر المضيق 2009". فئة الإسبانية
ترجمة: عبد الودود خواني

1



             الانقباض كان مصحوبا بألم مزمن في الصّدر، بالكاد كان باستطاعتي التّنفس، عندما كان يبدأ الألم ،كنت أخال نفسي و كأنني أسند بجسدي جانب قارب على الرّصيف. وكنت أتساءل إلى متى يمكنني التّحمل، و في أيّة لحظة ستخور مقاومتي. كنت أحاول البقاء نائما لعلّ الآلام تزول، و لكنّني لم أكن أستطع.


             توفي والدي و أنا قد واصلت السّير على طريق إخفاقاته. كان عليّ أن أتحمل كل أعباء العائلة، والمساعدة في تجاوز الخلافات، و طرق أبواب أرباب الأعمال يوميّا، و التي كانت عادة ما تغلق، أجر أسبوعيّ وحيد لم يكن يكفي من أجل المعيشة،حتى و لو دعّم بالثّمار البرّيّة الّتي كنّا نقطف أو بعائد البقايا المعدنيّة الهالكة التي كان يبتاعها منّا أحيانا تاجر العتيق. حتىّ والدتي و زوجة أبي الثّانية كانتا تحاولان العثور على عمل ما، و لكن لم يكن ذلك مجديا.

             في تلك اللّّيلة عدت إلى البيت مغتبطا،حاملا معي القليل من الطّحين و الحليب،لكي تقوم أمي بإعداد  بعض العصيدة للعشاء. شعرت بالتوتّر في الأجواء،قمت أستعلم ما في الأمر، شيئا فشيئا و بعد بلبلة و فوران، كنت قد علمت أن أمي و ألينا كانتا قد تشاجرتا. لقد ألقت ألينا اللّوم على إعاقتي في عدم  المضيّ قدما بأعباء العائلة. وإن كان ذلك صحيحا، إلا أنه كان يؤلمني لسبب مضاعف: واحد، لم أكن أعرف ما يمكني فعله،  اثنان، و هو أنه بعد وفاة والدي و بخلاف العادة، قلت لألينا أنه بإمكانها البقاء هي و أبناؤها الثّلاثة.ولم يكن من اللاّئق أن أعاتبها على ذلك،ووالدتي حاضرة.حاولت تمالك نفسي و الرّكون إلى الهدوء، فلم أجد قوة لذلك. تناول كل واحد مناّ العصائد على جانب، كعائلة متشتّتة، و ذهبنا للنّوم.
عندما تمدّدت على الفراش، قامت أمي بتدليك رقبتي و شعرت عندها بارتياح عظيم. كانت تستعمل يديها السّحريتين في كل شيء، حتى أنّهما كانتا تذهبان الجوع عناّ عندما كنا نأوي إلى الفراش دون أن نطعم شيئا. عندما شعرت بنوم ألينا، بدأت الحديث مع أمي. كانت تهدّئني . كان  في مقدور أمي أن تنقل الطمأنينة ، ليس فقط بيديها السحريتين و لكن حتىّ بصوتها أيضا. لم نتوصّل إلى أيّة نتيجة. و لكنّني كنت قد استرحت جيّدا، عسى أن يتسنى لي في اليوم التّالي الأخذ بحل ما.


2


             كان المغرب حلمه الدّائم ، الحلم الذي كان يراه في متناول اليد، على مائدة الصالون ترك كارلوس مطوّية وكالة السّفر، أين قد أتيح لنا قضاء أسبوعا بالمغرب ، الأطفال سيقضون تلك المدة بمنزل والدي.
             من المؤكد أنّكم لا تعرفون أن المغرب هو من أجمل بلدان إفريقيا، كان كارلوس يقول ذلك لكلّ من كان يرغب سماعه. هو بلد يشبه أندلسيا، لكنه أكثر عذرية: الشواطئ و الريف  لا حدود لها،و النّاس وديون و يسودهم الاحترام. أحببنا الهيام و مواصلة المسالك حتىّ نهاية السّفر، التحدّث إلى الناس،معرفة عاداتهم، مطبخهم و الذي يعدّ لذيذا. الآن تبدو لي الإقامة قصيرة، مصحوبة بابتسامة عريضة.
أكثر من مجرّد قضاء عطلة، و التّي كنا قد استمتعنا بها، كان الأمر يتعلق بفرصة قضاء بعض الأيام منفردين نحن الاثنين،حيث يمكننا الحديث بكل هدوء. كان زواجنا، سعيدا  حسب كامل الشرائع الكاثوليكية،كان يمرّ من خلال مناطق من الهدوء المطلق ، وكان ذلك يقلقنا، كان لدينا تشخيص واضح و كنا نعلّق عليه باحترام ،ولكن لم يكن في مقدورنا إيجاد السبيل لتجاوزه.

             منذ نهاية الدراسة الجامعية كنا نعيش من حقيبة والدي، و بالعمل في الشّركة العائليّة الصّغيرة، و كان كلانا يتقاضى أجرا متدنيّا، مما أدى بنا إلى العيش مع كثير من الشدة. كنّا  قد درسنا ماستر  و كنّا نواصل حضور دورات لتحسين السّيرة الذّاتية. كنّا دائما  نتفقد عروض العمل باحثين عن فرصة لا تظهر. كان كارلوس قد تعوّد و أصبح لا ينظر في حياته إلى الشّجاعة التي كان يعرف بها في الأيام السالفة. كان يلومني بأنّ والدي لا يتنازل عن التحكم في التّجارة، و لو أنّي كنت أجيبه بأنّ والدي ليس عليه أي التزام بفعل ذلك،و أنّنا نحن الذين لم نكن نعرف إعطاءها الاستمرارية، لم أكن أوفّق في صرفه عن تلك الطروحات.كان قد بدأ في الإلحاح علي بأنه قد يحضّر لبعض المسابقات في الإدارة الإقليمية ، و أنا مع ثلاثة من الأبناء و مشروع طفل آخر في الطريق ، الأمر الّذي كان يجعلني أتحمل.

3

           

             قبل شروق الشّمس كنت في السّاحة. و فورا تلقّيت الرّابط ، هكذا كانوا ينادونه لأجل إخفاء هويّته الحقيقيّة عن السّلطة ، شرح لي بكل غلظة  كيف كان إمكانه تنظيم رحلتي إلى الشواطئ الإسبانية. الثمن غير القابل للنقاش كان 3.500 أورو.  أعلمني بتاريخ و ساعة الرحيل،  تاركا المكان مجهولا. إلى  حين يتم تسلّم النّقود قبل 7 أيام.

             بالرغم من أنني كنت ثابتا طيلة المقابلة، إلاّ انّه عند الخروج شعرت و كأنني غاطس في قلق عارم،كان يبدو لي انه من المستحيل مغادرة المكان تاركا كل شيء و رائي.الحصول على تلك النقود في غضون أيام قليلة،الظّهور على شاطئ مهجور والسّير في الفراغ إلى لا مكان. شرعت في البحث عن سبيل من أجل الحصول على المال: بيع ممتلكاتنا أو العمل في أعمال شاقّة و خطيرة، و التي تكون فيها الأجور جيدة، طلب قرض من العائلة ، وكانت لدي القليل من الخيارات .العصابة نفسها التي كانت تتولى تنظيم النّقل اقترحوا علي حمل المخدرات معي. أو إنجاز سرقات بإحدى المؤسسات النّشطة، و لكنّها كانت كلها مقترحات لم تتوافق مع ما كنت قد تلقيته من تربية و تعليم.

             من المنزل بعنا المقصف ، الأثاث  الخشبي الوحيد الذي كنّا نملك  بـ 125 اورو. و بعنا موقد غاز البوتان بـ32 اورو. بعدها طفت على كلّ أعمامي الذين تأثروا باستعدادي الطّيب و لكنهم فقط كان بإمكانهم مساعدتي في المستقبل. عندها قد لا أكون موجودا. مع الأصدقاء كنت أقل حظا. العمل في مقلع الأحجار كان يقتضي تقريبا أجر 200 اورو عند نهاية الأسبوع. وواصلت ترقّب الأفق حتى أتمكن من جمع القروش.

             كان كلّ من ذراعيّ و ظهري يؤلمانني، لم أكن متعودا على تلك الأعمال الشاقة،في الليل لم يكن بإمكاني الحرّاك. كما أننا لم نكن نأكل لأننا كنّا نركم كل شيء في الميزان نفسه.ولم أكن أردّ يوما لآخر.

4


             جاء اليوم الذي كنت  أحلم به و أبحرنا من مالقا، على" فري" عصري الذي حملنا مباشرة إلى مليلية ومن هناك إلى الناظور، أين قضينا ليلتنا الأولى . سحر الحرارة و الشّذا الذي كان ينبثق من أزهار الياسمين الكثيرة بالفندق،حوّلنا ، و جعلنا من جديد سعداء. في اليوم التّالي، قضينا يوما هادئا في الفندق. تكلمنا كثيرا و بدون كثير من اللّف و الدوران أدركنا بأنّه كانت تنقصنا الشّجاعة . اعترفنا بان منزلنا كان مملوءا بالألقاب و أننا كرّسنا لذلك أكثر من ثلاثين سنة، لكن الرّوح الخجلة منعتنا من وضعها في خدمة المجتمع . تواعدنا على أخذ بعض الإجراءات. كنّا لا نزال نعاني العمى.

             المرحلة الثانية كانت مدينة الرباط،حيث قضينا عدّة أيام.  كان كارلوس يحتفظ بحلم اقتحام البلد و إلقاء التّحية على النّاس البسطاء في البلدات والقرى.قرّرنا الانفصال عن مجموعة الرّحلة، و بسيّارة مستأجرة، وجّهنا خطواتنا في اتجاهات مختلفة. رحلتنا أخذت طابع جولة" السّفاري" لأنّنا أمّنا الغذاء و الماء. كاميرا التصوير كانت القطعة  الأساسية في رحلتنا تلك. تمالكنا حماس أخذ الصّور، و أية تفاصيل أثناء التصوير كانت هامّة.

             كان كارلوس بنزعة التّقني، يؤكّد بأن الكاميرا الرّقمية قد قربته من الفن للمرة الأولى في حياته و كان يعرض صوره بفخر كبير .مقارنا إياها بالسّينما وكان يضيف تعليقات على النّغمة التي كانت الإطار أو عن الضوء الذي كان كل شيء. بالنسبة إليّ كان يبدو لي لأمر كذلك ولكن لم يكن مؤكّدا.
كان يوم رحلتنا الأولى مختلفا، حيث كان صعبا بسبب سوء حالة المسالك و الطرقات، و لكنّنا تمتّعنا بالتوقّف هنا و هناك.كان المنظر الطّبيعي عبارة عن نباتات متوسطية، مع إكليل الجبل، و الخزامى ، و نبات الرّتم و شجيرات أخرى، تبعث في الهواء الشذا،كان أنقى من أي هواء  في أيّ مكان آخر. تمتّعا بالتقاط صورة لجمل، أو بشراء بعض النّسيج من إحدى الصّبّاغات في إحدى القرى النائية. في  اليوم التّالي لاحظنا أن ذلك لم يكن له معنى، لم نكن نبحث عن شيء ما. و شيئا فشيئا كنا نخمد. و هكذا رتبنا الرحلة التّالية لزيارة المناطق الأثرية لإحدى المدن، و التي كان يتم تأهيلها ببطء.

             نهضنا باكرا و اتّجهنا شرقا. تدريجيا، و بما أننا كنّا نبتعد عن العاصمة، كانت الطّرقات تزاد سوءا. باستعمال جهاز تحديد المواقع كنّا نشعر بالأمان و كنّا نتقدم بشكل حازم. توقّفنا و التقطنا الصّور ، أكلنا و شربنا، و لكن بدأنا نشعر بالضّياع. أصرّ كارلوس على مواصلة الطّريق و أنا لم اعترض عليه،ولكن كنت قد بدأت في إدراك خطر السير في طريق جبلية كانت في حالة سيئة.  سرعان ما تحسّنت بعض الشيء، وبدأنا نسترخي. بعيدا تبدت لنا قرية ، و هناك  قد يكون  بإمكانهم توجيهنا.

              لم أعرف ماذا جرى ، لا أتذكر شيئا. أعرف أننا كنا نسير بحكمة , استيقظت داخل السيارة و كلي دماء. اقترب كارلوس و ساعدني في الخروج من السيارة . كنت قلقة جدا  بسبب حملي و على  حالة الضّياع التي كنا فيها.خرجت من السيّارة و جلسنا على إحدى صخور المنحدر.

             كانت الجروح خفيفة إلا أن ظهر كارلوس كان يؤلمه و يعوقه كثيرا عن الحركة. مشينا إلى الطريق، بصعوبة كبيرة. و هناك بدأنا نفكر بما يمكنا فعله، لم يبقى لنا من خيار آخر سوى الذهاب إلى القرية المجاورة مشيا على الأقدام، رجعنا إلى السيارة و أكلنا بانفعال و تسرع. ثم بدأنا السّير باتجاه المنازل البعيدة.قرر كارلوس بحسه العملي أن نتخلى عن كل شيء في السيارة،و فقط حملنا الطّعام و الملابس الدافئة، تحسبا لحالة ما إذا اضطررنا لقضاء الليلة في العراء.

5


             لقد كان الأجل المحدد ينتهي ، كان وقعه يتردد بداخلي كالضرب بالمطرقة ، كل خطوة بطرقة .كان تسلطا وسواسيا يحول دون أن أفكر في أي شيء آخر،في الطريق إلى المحجر. كنت قد أطلعت اثنين من زملائي في العمل على مشروعي لأنّهما كانا يعدّان فرصتي الوحيدة، ولكن اقتراحهما فات كل توقعاتي،كانا سيجلبان الثلاثة آلاف أورو، على شرط أن أبعث  بتلك القيمة لكل واحد منهما في اقل من سنة . وعلى فرض انه سيمكنني الحصول عليها بشاقّ الأعمال، و أن ذلك سيقتضى عدم إرسال المال لوالدتي ، الأمر الذي كان يقطع  أحشائي. و زيادة على ذلك إن أخفقت فستكون عائلتي هي الضّامنة و هو ما لا يمكنني فعله. كان الأجل ينتهي عدت لتكرار ذلك.

             كنت أعيش الوضع نفسه عندما لمحت سيارة في قعر الوهدة ، و بدون التّفكير بأيّ شيء آخر، نزلت مهرولا، هدأت عندما لم أجد أحدا بداخلها. نظرت في الجوار فلم أجد أحدا،و بعد مدّة قصيرة عدت إلى مشكلتي و بدأت أفتش السيّارة بحنق. لم يكن هناك مال، إلا أنّها كانت أشياء مختلفة ذات قيمة :  كاميرا تصوير رقمية، جهاز تحديد الموقع، جهاز راديو،هاتف نقال، و ساعة نسائية ذات حزام مكسر. جمعت كل ما قد يمكنني بيعه بالسوق عند العودة، توجهت نحو القرية تاركا العمل وتاركا معه قرض الرّبا. كنت أتطلع إلى بيع بضاعتي  بالثّمن المبتغى، أو إلى ما إذا كانت تصلح كضمان إلى الرّابط.

             في الطريق تصادفت بشخصين في حالة مزرية. كانا قد قضيا الليل في العراء، و كانا جدّ مصابين .إلى درجة عدم قدرتهما على الحراك. شرحا لي بأنهما كان مسافرين بالسيارة و عندما انفجرت العجلة هوت بهما السيارة في منحدر صغير. لم أعرف ماذا أفعل، لقد أدركا أنني كنت  أحمل حقيبتهما ولعلها تكون مملوءة بالأشياء التي تركاها في السيارة. لم نعبأ بذلك الأمر،حاولت مساعدتهما في المشي و لكن مازالت باقية أمامنا الستّة كيلومترات ، والتي  كانت تبدوا عملا مستحيلا. ، شرعنا في المشي ببطء حتى شعرا بالحرارة،قمت بتدليك رجليهما و اكتشفت بان الرّجل كان مصابا بكسر في عظمة الكتف، كان في مقدوري البحث عن مطية و لكنّ الرجل لم يكن ليصعد على ظهرها. قلت محاولا تشجيعهما بقربنا من طريق للعربات. و طلبت منهما الدنوّ منه بينما أذهب أنا للبحث عن وسيلة للنّقل، ظهرت عليهما ملامح الخوف ولكن لم يكن هناك من خيار آخر.

             لم يعبأ أحد لحديثي، سائق العربة كان يطلب المال مسبقا، لقد أكدت له إنّهما شخصان طيبان ، شخصان أجنبيان، و سيدفعان له المال بالزّيادة ، و لكن لم أوفق ، سألته عن الثمن الذي يريده. و في المقابل عرضت عليه الحقيبة التي أعجبته ، فقبل عرضي ، و لكنّه عند الإفراغ  رأى الأشياء الجذابة، أصر على أخذ الساعة النّسائية ، فكرت أن السيدة كانت قد تفعل الشيء نفسه مقابل النجدة، فقبلت ، عندها انتبهت أنني وضعت إمكانياتي الضّئيلة للعبور إلى الضفة الأخرى في خطر.

             ركبا العربة و بدأنا الطريق، وباستعمال قطع القماش و التبن حاولت تهيئة مضجع كان يجّعل من السفر معاناة، كنا نظن أننا سنصل سريعا ،و لكن النهار كان ينتهي و لم يكن من المناسب للجميع السفر ليلا و بدون أضواء.لم استطع تحديد موضع الالتقاء و سائق العربة كان قد تقدم بدقائق بينما كنت أسير خلال المزارع اختصارا للطريق لاحقا به ،كنت قد ضيعت فرصتي.
6

             أفقت على الحمى و العرق يتصبّب. أول ما فكرت فيه هو الخوف الذي كان يمر به أبنائي و والديّ. لم نكن بعد قد اتصلنا بهم.كان كارلوس ممددا بجواري، في حالة أسوأ من حالتي ، وكان قد أمضى الليلة مستيقظا، يشتكي من الآلام التي لم تسعفه بهيئة مريحة. كنّا متواجدين بساحة عارية على سريرين جدّ ضيقين.أحدهم كان قد علق علينا، بأسلاك، كسترة لنا قطعة النسيج التي كنّا قد اشتريناها من الصبّاغة،كنّا لا نزال نرتدي ملابس السّفر .كان كارلوس مضطجعا على بطنه و الجزء العلوي من جسده عاريا. كانت هناك امرأة عجوز تدهن له ظهره بليونة كبيرة، عدة مرات ،و بدون تعب. أعطونا شايا ساخنا، ذا طعم قوي وجدّ مسكر، جعلني اشعر بتحسن، رغم طعمه الغريب. كان الرّجل الذي اهتم بنا في اليوم السّابق، منتبها لجميع التّفاصيل.أخبرني بأنّ أمّه كانت قد عالجت الكسر الذي بكتف كارلوس، و أنّه لا يمكنه تحريكه الآن، و أنّه يمكننا أن نفكر بالرحيل بعد قضاء بضعة أيام. أبلغته بقلقي فيما يخصّ الاتصال بعائلتي و الذي يجب أن يكون في أقرب وقت ممكن،لأنه من المؤكّد أنّهم كانوا قد بلغهم خبر ضياعنا.أفهمني بأن السّبيل الوحيد هو التنقل إلى السّوق، أين يمكننا كراء أحد الهواتف المحمولة العاملة عن طريق الساتل، لقد عرض علي مرافقته لتسهيل عائق اللّغة. عندما هممت بالوقوف أصابني دوار فعدت للجلوس. حاولت عدة مرات حتى تمكنت من المشي ببطء مستندة إلى ذراعه.

7


             عندما وصلنا إلى القرية توقفنا عند المنزل، و أمي،التي كانت قد علمت بالأمر، استقبلتهما بحنان. حضّرنا لهم للعشاء الماء الساخن مع باقي الطعام الذي احضراه معهما.نحن لم نتعش شيئا.

             كان  الكل متعاونا بالمنزل. تنازلنا عن السريرين ، وصنعنا ظلّة من قطعة النسيج التي جلبتها معي في الحقيبة ، ووضعناهما في الفناء الخلفيّ. تناوبنا في السّهر عليهما. بدأت أمي بفترة طويلة من التدليك لظهر الرّجل حتى تمكنت من معالجة الكسر. ثم وباستعمال المراهم المختلفة تم تخفيف الألم،  فتركته  وقد نام.

في الصّباح الباكر ذهبت إلى السّوق اشتريت مئونة، مقايضا كنزي بالمواد الأساسية، ولكنها كانت من النّوعيّة الجيّدة: جبن، شاي، خبز، عسل،حلويات و فواكه متنوعة.لم يرى أحد في المنزل مثيلا لتلك الوفرة من قبل. عند العودة من السّوق أدركت بأنني كنت قد أحبطت كل خططي ، و أنّه لا يمكن محاولة إنجازها. لم أعرف ما إذا كنت سأسعد أو لا ، و لكن لم يتمالكني ذلك الهاجس ، كما كان يفعل من قبل.

8


             على الرّغم من فقر المكان إلا أنّنا كنّا مرتاحين جداّ، كانت تبدو مبرّرة البيئة الّتي كناّ نبحث عنها. صارو كأنّه منزلنا، حتى أنّ كارلوس كان يبدي مقترحات من أجل تحسين غرفتنا. شيئا  فشيئا كانت تدبّ الثّقة لجميل ما رأينا من مضيّفينا.


             في اليوم التّالي استيقظنا و قضيناه جالسين في السريرين. كنّا نأكل في مائدة و كانت أيضا ارتجالية. رصد كارلوس  المنقوصات التي كانت لا نهائية و بدأ يخطط لمشاريعه. في الوقت نفسه حرّكني لتقديم تقريرالحادث لشركة التأمين و الاتصال بالمجموعة، طالبة منهم المجيء لأخذنا. منذ زمن لم أراه سعيدا هكذا ، وانا كنت سعيدة أيضا . كان علينا المغادرة ،وكان هو يرغب في البقاء. ولم يكن ذلك ممكنا.


             في المساء، جاءوا للبحث عنّا، رجعنا بكثير من التأوّه و الارتجاف ،قضينا الليل بإحدى مستشفيات العاصمة ،و،بعد مدة و جيزة ،انطلاقا من مليلية في رحلة جوية هادئة،وصلنا إلى مالقا .أين كان في انتظارنا الأحضان كثيرة و الفرحة مشتركة.

9


             بالرّغم من أنّنا تفاهمنا جيّدا، إلا أنّني لم أثق في المشاريع الّتي كان يخطّط لها الرّجل. كان ذلك مرده إلى تعودي على طريقة في التوهّم  كانت سائدة في بلدي. إلاّ أنّه ، بعد مدة قصيرة،بدأت تصل إلى المنزل أخبار مساعيهما، و بعد ذلك بأسابيع قليلة، حضر الرّجل مرة أخرى إلى القرية. جاء عازما على حفر بئر، و ذلك ما وفر علينا عناء السير الطويل إلى المنبع. بعدها بقليل ركّب مولدا كهربائيا. ثم جاء الفرن من أجل طهي الطين و صنع الآجر. في غضون أشهر كانا كل من منزلنا و شارعنا قد تغيرا.حتى أنّنا قمنا بإنجاز حديقة عامة، باستغلال ماء البئر. و باستعمال العجلات القديمة،  صنعنا أرجحات كأفضل ما يرغبه أطفال المدرسة. أنا أقول أنجزنا ،لان حماسه كان قد أثر فيّ، و اعتبرت بأنّ المشاريع كانت  تخصّني كذلك. وبدأت أسهر على حسن سير العمل. و لم أكن لوحدي ، بل كان هناك متعاونون كثيرون غيري و بدأت القرية تتبسّم ، وفي الأخير ، في قريتنا، بشكلها الإهليجي، كان هناك بؤرتان : السّوق و شارعنا النّشط.