sábado, 5 de junio de 2010

الدخلاء. باتريثيو برون.

الدخلاء

باتريثيو برون
الفائز بجائزة "معبر المضيق" 2008. فئة الإسبانية

     شعر جدي بأن النحل كان منزعجا رغم أنه يقوم بالشيء نفسه ككل الأيام. طنين  و حركة سريعة من مكان لآخر. عرف أن شيئا أو أحدا قد قام بمضايقته .أنتبهت لذلك لأنه عادة في هذه الحالات يقوم بقطب جبينه كما كان يفعل بأستمرار بعد وفاة والدي في حادثة المصنع. أذكر كل شيء بوضوح لأنه في القرية حيث كنا نعيش بإقليم "مورسيا", لم تكن تحدث أشياء مهمة و لو حصل شيء فهو يبقى راسخ في الذاكرة.
        كان صيفا وكان النحل منشغلا بانتاج العسل, يطير سرعا في اسراب كبيرة كسكان مدينة على غير تناسب

.
       في الأيام التالية كان دائما يمعن النظر في الخلية مهملا أمور المنزل . لا شك في انه كان مثل النحل مستعدا لفعل أي شيء عندما يشغل شيء باله وبالفعل كانت له خطة, أسمعه كل صباح يتنازع مع الأطباق في المطبخ و يملأ الترمس بالقهوة و يخرج, حينها أرتدي ملابسي بمفردي و أذهب الى المطبخ لتناول بقايا فطور الجد. و عندما أنظر من النافذة  أراه  بين الأشجار في قاع المنزل يبتعد شيئا فشيئا. في تلك الفترة كنا نعيش في ضواحي هذه القرية في "مورسيا" و كانت لجدي خلية نحل في مخرج بيتنا و أظنه كان يختبئ هناك ليراقب الدخيل. أما عني فكنت دائما إما أتناول الأكل أو أقوم بواجباتي المدرسية أو أكون فقط جالسة في مدخل المنزل لأتمكن من النظر للجد. و لهذا اكتشفت الدخيل قبل أن يراه جدي.
      كان الإبن الأكبر لعائلة "غارسيا أنتونيز", كان يترك دراجته على الطريق و يستكشف المكان حتى يتمكن له التوغل في باحة البيت. أنا كنت أعرف أن الجد يملك بندقية و لهذا أسرعت في إخباره بذلك ووجدته منحنيا على دعامة خضراء اللون رافعا البندقية المتكئة على ساعده الأيمن. أشار لي كي أقف بجانبه و هذا ما فعلته . رأينا أكبر ابناء "غارسيا انتونيز" يقفز و يتخطى السياج و يختفي في لحظة بين الشجيرات العالية مثل الأشخاص. ظهر فجأة و كان واقفا بجانب الخلية . جدي لم يترك البندقية و أتمنى ألا يطلق النار لأنه كان فقط أكبر أبناء "غارسيا أنتونيز", و لكنه أشار لي ألا أقوم بأية حركة, فنظرت مجددا إلى الأمام و كان الولد واقفا يتمعن في كل شيء. و بالرغم من أنه كان من أهل القرية و من الذين يقومون بشتمي في المدرسة, فكرت لحظتها أنه شجاع. كان هناك واقفا , غير مكترث بطنين النحل قرب أذنيه , أستدار ثم انصرف متجها نحو الطريق.
      ذلك المساء أكلنا في صمت و بعدها وضع جدي لباسه الواقي و اتجه نحو الخلية. أما أنا فغسلت الأطباق و أنا واقفة على دلو لأني كنت قصيرة القوام. عند غروب الشمس أومأ لي كي أصعد الى العربة. انتبهت لوجود شيء مغطى في الجزء الخلفي  و لكن لم أطرح أي تساؤل . وصلنا القرية و لم يتوقف جدي بل تابع حتى منزل من القرميد البالي و كان جزء من السقف مغطى بقطعة من البلاستيك. خرج لاستقبالنا طفلين يصغرانني سنا و عن بعد لمحت أكبر أبناء "غارسيا أنتونيز" يراقب من بعيد و بكل حذر.
أنطونيو ! -قال الرجل الذي يخرج من المنزل -
كان رجلا ضخما و يضع باستمرار يديه على مقعدة البنطلون و كأنه يمسحهما كل الوقت. عندما نظرت إليه لاحظت أنه يشبه أكبر أبناء "غارسيا أنتونيز" ربما لأنه والده. كان لون وجهه احمر كالكرزة. دعانا لدخول المنزل.
 - "ماريا"- صاح الرجل, فخرجت امراة من ظلمة جوف الدار لتستقبلنا- هل تذكرين السيد "سابيدرا"؟
- بالتاكيد- قالت المرأة- كيف...- ترددت للحظة و فكرت انا حينها أنها ربما تذكرت أبي و جدتي و بعض موتى العائلة- حالك؟
        - بخير- رد عليها جدي.
      جلسنا على كراسي لم تكن مريحة , و بقيت قدماي متدليتان دون ان تمسا الأرض. طال الصمت الذي خرقه سعال احد الأطفال الثلاثة الذين تزدحم بهم أرضية الغرفة.
قدمت لنا ماريا ثلاثة كؤوس من القهوة . أضافت لكأسي القليل من الحليب , رغم أني أكره القهوة بالحليب  و بعدها وقفت خلف زوجها و هي تدعك يديها في المريلة- دعك اليدين هذا ربما هو عادة في كل العائلة- رشف جدي رشفة من الفنجان ثُم قال و هو يحاول أن يطيل تلذذه بطعم القهوة:
- لذيذ الطعم. هذا البن مذاقه ممتاز.
      بقي جدي عدة سنين وحيدا بعد وفاة جدتي ولهذا لم يعد يحسن الحديث. أومأ "غارسيا أنتونيز" بما يوحي بأنه يوافق جدي على أن طعم القهوة بالفعل لذيذحيث أنه أعرب عن ذلك دون أن يرفع عينيه المصوبة على الفنجان مباشرة  و كأن جدي كشف لنا لتوه عن أحد أكبر حقائق الدنيا.
 قامت ماريا بحركة غريبة, ارتياع أو فزع, و الكل نظر اليها متفاجئا حيث استدارت و اخذت    علبةأخرجت منها ثلاثة قطع من البسكويت ووضعتها في طبق امامي.تدلت اعناق الأولاد فعرفت وقتها أن قطع البسكويت مهمة بالنسبة لهم.
نظر الي جدي مليا ثم قال:
    - كلي.
لم أكن اشعر بالجوع و لكنني حاولت أن أكون مهذبة فتناولت قطعة ووضعتها في فمي . و منذ هذه اللحظة و الصمت يخيم مرة اخرى حتى تكلم جدي و دخل في الموضوع و بدون مقدمات:
        - صادفت مشكلة مع نحلي - و هنا لمحت أكبر ابناء "غارسيا انتونيز" يخبئ رأسه و يتوارى بين إخوانه-. أحد أبنائك يتلصص على الخلية, لا أريد أن تعاقبه لأني انا ايضا بدأت هكذا في هذا المشروع و لكن نحلي لا يحب الغرباء و عندما يزعجه أحد فهو لا ينتج العسل.فكرت أنه ربما يدعه و شأنه إذا قدمت له المساعدة. في العربة – قالها و هو يلقي برأسه الى الخلف- احضرت صندوقا فيه ما يقارب عن الخمسون نحلة و ملكة, كنت احفظها لتكوين خلية أخرى. إذا كنت موافقا سأتركها له و سآتي مرتين في الأسبوع كي أساعده على تنظيف الخلية و استخراج العسل بشرط أن يكف عن إزعاج نحلي.
      نظر السيد "غارسيا انتونيز" إلى زوجته التي كانت لا تزال تدعك يديها في المريلة و كانها لم تكمل تنظيفهما بعد و بعد ذلك وجه نظرته الى ابنه.
   - ما رايك انت؟ هل تظن أنك تستطيع تحمل هذه المسؤولية؟
      ارتسمت على و جه الأبن ابتسامة ارتباك و حيرة و قمنا ثم اتجهناالى الخارج و استغل الأطفال تلك اللحظة مندفعين نحو قطع البسكويت التي لم اتناولها.
وضع جدي القفاز في يديه و اخرج صندوق النحل من الجزء الخلفي للعربة ثم تقدم نحو الأمام بخطوات حذرة وسط سرب اصفر. و كان يعطي النصائح و هو يربط الصندوق في الشجرة الى اكبر ابناء "غارسيا انتونيز" الذي ابدى كل اهتمامه.
      ظننت أن الأطفال سيهدأون بعد اكتشاف المفاجأة التي كان يحتفظ بها جدي و لكن أصغرهم بدأ يقفز و يقفز حول الخلية. ربما لم يلاحظ احد ذلك لشدة اهتمام الكل بنصائح جدي. و فجأة سكت الجميع لأن جدي كان يتأهب لنزع الغطاء عن الصندوق, عندها بدأ أحد الأطفال الصغار في الجري في اتجاه المنزل متبوع بسرب من النحل يحوم حوله. صاح جدي:
        - لا تتحرك! ابقى في مكانك.
 و لكن الطفل حاول ان يفزع النحل بيديه و بدأ النحل يلسعه في عنقه و ذراعيه و وجهه. كان يشكل غمامة تغطي وجه الطفل.
    - كفى كفى! – بدأت والدة الطفل في الصراخ و كأن صياحها يفيد في شيء-.
 اتجه جدي نحو الشاحنة و اخرج المدخن ليبعد به النحل.
 لم تكن تحدث اشياء في هذه القرية و لو إن وقعت فأنا سأظل اتذكرذلك اليوم. رجع الصغير الى المنزل و النحل يتساقط من حوله و يموت ببطء.
       شعرت بالحزن و أنا اشهد كيف تنتهي حياة النحل بكل غباء. اجتاحتني تعاسة و أنا أفكر في نفسي و في جدي و جدتي التي توفيت و تركته وحيدا قبل سنوات. فكرت في أمي و في حادثة أبي بالمصنع و عندما عدنا أنا و جدي الى هذه القرية باقليم "مورسيا" لكي يسلم  نفسه للموت بين مناظر و ذكريات طفولته الرتيبة.
      أسرع جدي في معالجة الصغير بينما كان والده يحضن زوجته التي لم تتوقف عن البكاء أما الأخ الأكبر فقد كان مختبئا خلف البيت و كأنه السبب في كل ما حصل.
     حسبت أنه كان علي أن اشعر بالحزن لما حصل للطفل و لكن في الحقيقة  فكرت في نفسي لأن أمي قد توفيت و لم تتعلم جيدا اللغة الإسبانية, كانت فقط تتقن بعض الكلمات التي لا أتذكرها جيدا لأنني كنت صغيرة جدا عندما توفيت. كانت مصابة بمرض قبل عبورها من الشاطئ الآخر و هي مصحوبة بكتب و خرزات و أشياء تنبعث منها رائحة حب الهال و الزنجبيل الذي يتخيل لك رؤيته إذا فتحت صناديقها القديمة و لا تفهم كيف يحدث ذلك.
      أعدت النظر الى أصغر أبناء "غارسيا أنتونيز" ووجدته يضحك و هو محاط باخوته يريهم لسعات النحل بفخر, و كأنه نجا لتوه من الموت. أما جدي فقد كان منهمكا في تقديم الإعتذارات للسيد "غارسيا أنتونيز" و زوجته التي لا تزال تمسح يديها في المريلة و لكن لم أتمكن من سماع ما يقوله جدي بوضوح.
      مشينا نحو العربة و عندما نظرت حولي لم أجد هناك نحلة واحدة . الجو كان باردا.
      و إن لم تكن تقع أشياء في تلك القرية "بمورسيا", و لو إن كانت ذاكرتي تحفظها فإني سأظل أذكر ما قالته  زوجة غارسيا أنتونيز, كانت أول مرة أسمع فيها تلك الكلمات و جرحتني كثيرا فقد سمعتها من بعيد تقول:
       - لا نريد شيئا منهم ,  فليذهب بنحله الى مكان آخر و "بالمورة " أيضا.