sábado, 3 de julio de 2010

وادينا خوسي موتوس كاليرا. غرناطة. إسبانيا



وادينا

خوسي موتوس كاليرا
غرناطة. إسبانيا.
المرتبة المرتبة الثانية في "جائزة معبر المضيق 2009". فئة الإسبانية.
ترجمة: عبد الودود خواني




امحيلو . أنظر، الجبل الأبيض. —
راقباه  و قد كان تقريبا  ذائبا في السّماء  حتّى لامست الشّمس قمم السّلسلة الجبليّة الغربيّة .
هبطا ببطئ بينما كانت القمّة الثّلجية تتلاشى في الضّباب.
لايمكننا رأيتها  الآن ،يا أبي. —
غدًَََا سنصعد مرّة أخرى. —
 أليس من المفرض أن تذهب للصّيد؟—
لا ، غدًََََا لا. —
 إذًَا متى ستذهب؟—
عندما يدعوني لذلك يوسف. —
في السّابق كنتما تخرجان معا دائما و الآن لا يدعوك تقريبا أبدا. —
 لا تقلق، سيدعوني. —
 أحقا يعيش هنالك أناس ؟—
 طبعا يابني . —
 من هنا لا يرى أحد منهم. —
 ذلك  لأننا بعيد ون جدّا. —
كان الطّريق يمرّ بجانب واد من أشجار اللّوز المزهر.
 هنالك ، هل يملك النّاس قوارباًَ للصّيد؟—
 نعم، و أكبر بكثير ؟—
إذًَا لديهم من الطّعام أكثر مما لدينا. —




توقف أحمد، آذاه الهواء في التّنفس. نظر إلى ابنه الّذي كان يلبس سروالا قصيرا و قد تمزّق كاشفاًَ عن جزء من مؤخّرته. أخرج من جيبه ورقته النقدية الأخيرة ذات العشرة دراهم ، أخفاها ثم تابع السّير. نزلا إلى أن وصلا إلى  المنازل الملتصقة بجانب الجبل. كانت الجدران تعكس لون زبد البحر. عبرا من خلال وسط القرية.كانت قطعان الماعز تدقّ أجراسها قبل ان تدخل إلى الحظائر.
و صلا إلى الشّاطئ الصّغير حيث كان الرّجال، متشبّثون بشباكهم، يقبعون صامتين.
بحثا عن يوسف الّذي ما رفع رأسا عندما توقفا أمامه.عند باب الكوخ القذر، وحيث يبدأ الرّمل كان رقيب صاحب الجلالة يراقبهم . انتظرا أحمد و محيلو حتى صار البحر بلون الفضّة وبدأ الرّجال بسحب شباكهم.
كانا يلحظان ذلك حتى ذابت القوارب في اللّمعان الزّيتي للبحر. بقيا جلسين على الرّمل، على أمل أن يهب البحر لهما شيئا.عادا مطأطئي الرّأسين و صامتين إلى منزلهما.
في تلك اللّيلة ، بات أحمد بعينين مفتوحتين و ملتصقتين بسقف من قشّ و طّين.
في صباح اليوم التّالي رافق أحمد امحيلو إلى المدرسة ثمّ نزل إلى الشّاطئ المقفر.
الآن أصبح لا يدعوه أحد إلى الصّيد و لا إلى أيّ عمل آخر.حتّى صديقه يوسف كان قد خضع لإقتراحات رقيب صاحب الجّلالة.
ضوضاء محرّك قارب تردّدت أصداؤه خلال أجراف الشّاطئ.القارب الصّغير الّذي كان ملكا لنجل الرّقيب إخترق الرّمل. قفز نجل الرّقيب من على ظهر القارب،نظلر إلى أحمد من أعلى كتفه ثم توجّه إلى الكوخ.عندها شعر أحمد برغبة في إمساكه من الرّقبة و وضع رأسه في الماء المالح.                                 




تحوّل إلى ناحية بالشّاطئ حيث كان زفرود يبيع فاكهة طازجة. أخرج ورقته النّقدية الأخيرة، ساوم على نصف درهم و أقفل راجعا إلى الشّاطئ حاملا معه برتقالة في كلّ جيب .
طقطقة صوت محركات القوارب عمّت الخليج الصّغير قبل منصف النّهار بقليل . انتظر أحمد حتى تمّ الإفراغ. دنى من يوسف الّذي كان يفرغ السّمك من صندوق إلى آخر. انحنى أحمد بجواره من دون أن ينظر إليه.
 أنا بحاجة إلى عمل، قال بصوت خافت. —
رفع يوسف بصره ناحية الدّرك الملكي،العينان  الخفيّتان لرقيب صاحب الجّلالة   كانتا تتّجهان مباشرة إليهما.
 لم يبق  لدي سوى ثمانيّة دراهم و امحيلو في حاجة للتقوّت.
 أنا كذلك لدي أبناء – وضع يوسف سمكتين كبيرتين في كيس ملطّخ بالدّماء و —الحراشف، أعطاها لأحمد و ولى ظهره .
بلغا القمّة يسيلان عرقاًَ . جلسا ملتصقين الواحد إلى الأخر. اتّكأ امحيلو بذراعه على ساق والده. كان الجبل الأبيض يبرز من خلال الظّلام الّذي كانت يغطي البحر . لم يتحادثا . انتظرا حتى طالت ظلال نبات الرّتم وانصهر الجبل الأبيض في السّماء.
في تلك اللّيلة أعدا واحدة من السّمكتين  الّتين أعطاهما يوسف ، و نام امحيلو بعدما شرب كوبا كبيرا من الحليب . تركه أحمد نائما و توجّه إلى الشّاطئ ، تأكد من أن رقب صاحب الجلالة كان نائما و أن وجهه قد عمّه العرق، اقترب من القارب  الصّغير ذو المحرّك الخارجي و الّذي كان راسيا على بعد أمتار قليلة من مد البحر ، دار حوله، نظر إلى ما بداخله و نسحب خلسة.


و ضع في الصرّة القمصان الشّتويّة الصّوفيّة و الخشنة ، بطانيّة ، قبّعتين ، منشفة و قطعة صابون.
القمر الذي كان يطلّ من النّافذة كان يضيء الغرفة.
وقف عند حافت السّرير.كان صدر امحيلو يرتفع و ينخفض بوتيرة هادئة ، تساءل عمّا قد يكون يحلم  به . وضع يده على كتفه و هزّه .
امحيلو،استيقظ . —
فتح امحيلو عينيه ثم عاود إغلاقهما.
امحيلو ، يا بنيّ ، هيا بنا- مرّر بيده على جبهته- نحن ذاهبان إلى الصّيد. —
إلى الصّيد ؟ - مدّد ذراعيه فوق رأسه و تبسّم- . —
 هل دعيتم إلى الصّيد ؟—
لا، فقط أنا و أنت . —
 و ماذا عن المدرسة ؟—
-لا يهم – أمسك دورق الماء ، قطعة الخبز اليابس ، الجبن الجاف و الملابس – خذ ، ارتد هذه – ناوله القبّعة .
ارتدى امحيلو سروال كلّ الأيام ، الحذاء الكتّاني المثقوب عند الإبهام ،و القبّعة . تنفّس بحماس و هو يراقب والده .
 إلى أين سنذهب ؟—
إلى الجبل الأبيض . —
جلس امحيلو على حافّة السّرير . برد الصّباح الباكر بعث فيه القشعريرة . أخرج صندوق الكارتون حيث كان يحفظ فيه أشياء المدرسة . أخذ الدّفتر الأخير ، قلم الرّصاص و الممحاة .




وضع أحمد في الصّرة بعضا من الملابس الدّاخلية و الجوارب.
هيّا بنا لقد حان الوقت . —
كان الشّاطئ خاليا و أضواء المنازل منطفئة .
أمسك أحمد بيد امحيلو و اقتربا من قارب نجل رقيب صاحب الجّلالة .
- اركب – همس أحمد . فكّ حبل القارب . وضع الأشياء داخله و دفعه  نحو البحر.
بقبقة المجدافين غزت ظلمة اللّيل. أخذ حجم البحر في الازدياد، الشّاطئ في التقلّص، و المنازل البيضاء أخذت تفقد أشكالها.كان أحمد يتعرّق و ينفخ. كان محيلو يرمقه بعينين واسعتين. و لم يقل أحد منها شيئا للآخر. نال منهما برد الفجر الأحمر مع خط السّاحل المخربش بزبد البحر الذي كان يضرب بقوّة على حواف القارب الصّغير.
لقد بدأت الرّحلة – قال أحمد. جلس بجانب المحرّك ،رفع صفيحة البنزين – إنها تقريبا ممتلئة – باتّجاه امحيلو- لا نحتاج إلى مزيد من المراجع، الفجر على اليمين، الغروب على اليسار و في اللّيل، النّجم القطبيّ يقابلنا.
 و منزلنا ؟  —
 ليحرقوه. —
 ولكن أبي،لما لا يمنحونك عملا ؟—
يا بني ، لا أنت و لا أنا متسبّبان في ذلك. —
إذن من هو المتسبّب ؟—
تعال ، هاك ، اشرب. —
لست عطشانا. —


- اشرب، حتّى و لم تشعر بالعطش، جسمك يحتاج إلى الماء. يجب أن تظلّ أجسامنا قوّية.
و لكن، هناك، لا يعرفون اسمي. —
سيكون لدينا اسمين جديدين – أخرج بعض الأوراق من جيبه و ألقاها في البحر-—
أي الأسماء تفَضّل ؟ —
لا أدري، ما هي الأسماء في الجبل الأبيض؟ —
أنطونيو، بيدرو، خوسيه. —
ما أصعبها من أسماء. —
لا تقلق سنجد واحدا مناسبا. —
- هل نواصل ؟ - و بدون أن ينتظر إجابة من امحيلو، أقلع المحرّك و بدأ القارب الصّغير شقّ الماء. مع الشّمس و هي ترتفع من جانب كتفيهما الأيمنان.في تلك اللّيلة لم يكن هناك قمر.تغلّبا على البرد بالفضل القمصان الصّوفيّة الخشنة و البطّانيّة. ممدّدين في قاع القارب عانق أحمد امحيلو يضمّه إلى جسمه.استيقظ قبل الفجر، برتعاش ضم امحيلو إليه بشدّة و انتظر طلوع الصّبح. نهض، أخذ صفيحة البنزين،أفرغها في خزّان المحرّك ثم رماها في البحر. انتظر بفارغ الصّبر طلوع الشّمس بدفئها.
استيقظ، إن اليوم هو يوم عظيم. —
تعلق امحيلو بحافّة القارب. —
أين هو؟—
إنّه هناك – أشار أحمد إلى موضع في السّماء. —
ولكنه لا يرى. —
اليوم ستراه، هيّا بنا . —
فتحا صرّة الخبز و الجبن. مضغا القطع اليابسة و شربا الماء.جلس امحيلو و أخذ أحمد موضعه بجانب المحرّك.


خلعا جميع القمصان، و ضعا القبّعتين و تركا اليوم يمرّ بالضّجيج المرهق الّذي كان يضرب آذانهم.
عند الغسق ، قطع المحرّك و تيرته، تسارع و كبح، تسارع و كبح، حتىّ كان صوت اصطدام الموج بالقارب هو الصّوت الوحيد السّائد.
الآن سوف لن نشعر بالبرد – قال أحمد. —
إذ كا ن الجو حارّا. —
أقصد أنه بالليل سنقوم بالتّجديف حتىّ الفجر.ما رأيك؟ —
هل بقي لنا الكثير؟—
محيلو، اهدأ. —
لدي رغبة قويّة في الوصول. —
- حسنا، علينا أن نقسّم العمل. أنا سأقوم بالتّجديف و أنت  ستصطاد. افتح ذلك أشار إلى صندوق معدني تحت حبل ملفوف.
عند حلول الفجر، كفّ أحمد عن التّجديف ، و حمى امحيلو بين ذراعيه، غطّيا رأسيهما بالبطّانية و تركاهما التّعب نائمين بعمق.
كانت حركة القارب هي اللّتي أدت به إلى فتح عينيه.تمالك نفسه،غطىّ امحيلو بالبطّانية و عاد إلى التّجديف.
لم تترك العاصفة سوى دائرة من الضوء في الأعلى. كانا يتمايلان كما في رقص لا تلمس فيه القدمين الأرض.البرد الرّطب ضرب صدره، كانت عروق جبهته تخفق، فقد التّوازن عند الحركة و تشبّث بحافّة القارب. طأطأ رأسه و وضعه بين ركبتيه.لم في مقدوره فعل أيّ شيء حتى يعلم إلى أيّ اتجاه سيجدّف.عاد إلى التمدّد بجاب امحيلو، أحس بالرّطوبة المتجلّدة في قاع القارب الصّغير.
لا، الآن لا يمكننا فعل أيّ شيء- صاح. —




إستيقظ امحيلو خائفا.
ضمّه أحمد إلى بطنه  بشدّة.
- الآن ونحن قريبان لا يمكننا أن نستسلم – قام أحمد - .هيا، تماسك. تمايل القارب كان يحول دون توازنهما.كانت الغيوم قد قلّصت من دائرة الضّوء في الأعلى. الهواء الرّطب و القارص كان ينمّل أيديهما و وجهيهما.
لم ينزعا القمصان الصّوفيّة ألقى امحيلو خيط الصنّارة الّذي كان يترك أثرا صغيرا بجنب القارب.
 قرر أحمد أنه من الأفضل مواصلة التّجديف حتىّ و لو لم تسمح لهما الغيوم برؤية الشّمس و لا برؤية النّجوم. جدّف حتىّ استنفد كل قواه.
سنواصل من بعد – قال باحثا عن لون السماء . —
سنصل غدا؟—
نعم يا بنيّ ، غدا – أخرج الخبز و الجبن. —
استنفدا دورق الماء و جلسا القرفصاء تحت البطّانية.
نم بهدوء، غدا سينتهي كل هذا – همس في أذنه. —
و لكنّ أحمد لم يستطع النوم، بعد مدّة قام، نزع القميص الصوفيّ و وضعه على البطّانيّة اللّتي كانت تغطيّ امحيلو.جدّف وبكى. بكى و حلم. حلم و شدّ على أسنانه.الجهد لم يكن ليبعد عنه البرد. كان يرتجف مع كلّ حركة.حوافّ القارب طليت بالبياض. نظر إلى ابنه محميّا بكل ما كان يملكان تجمّد العرق بجبهته و بعينيه. رأسه كان يتحرّك إلى الأمام و إلى الخلف على إيقاع المجدافين.كما تخلّيتا عنه ساقيه كذلك.لم يبق له إلا دقدقة في الرّأس و في الرّقبة و في الصّدر.سارع  من الحركة إلى الأمام و إلى الخلف دون أن يتخلّى عن السّحب .




فرك وجهه المتجمّد بيديه المتجمّدتين ، أدار رأسه إلى ظهره ، من جهة مقدّم القارب ، وقام قافزا، تحرّك القارب، ففقد توازنه، إنحنى، تعلّق بحافّة القارب المتجلّدة. أعاد فرك عينيه و أمعن النّظر.
 امحيلو! صاح- امحيلو! ، يابنيّ، إنّه هناك! —
كان كلّ جسمه يرتجف.
محيلو، يابنيّ ، استيقظ ، إنّه  هناك – أفلت منه اللّعاب و هو يصيح.  —
- إنّه هناك! ، الجبل الابيض! ، امحيلو – صاح- وهو يتمايل متّجها إلى امحيلو الّذي  كان لا يزال ملفوفا بالبطّانيّة.
لم يدع النّظر إلى القمّة البيضاء اللّتي كانت ترتفع فوق الأفق . أدخل يده في البطّانية التي كانت تغطيّ امحيلو .
- استيقظ يابنيّ ، استيقظ ، علينا ان نختار إسمين جديدين . أخفض رأسه ببطئ نحو امحيلو ، وضع يده على كتفه و هزّه – امحيلو،استيقظ – ربّت عليه من فوق الطبقة المتجلّدة الّلّتي كانت تغطيّ البطّانية ، ثمّ أعاد هزّه مرّة أخرى ، فرك له ظهره ، ربّت على رأسه ، أزاح البطّانية عنه.
 امحيلو،أنظر إنّه الجبل الأبيض.